لماذا اختارت اسبانيا الجزائر تحديدا لإحياء ذكرى “دون كيشوت”؟

0

تزور الجزائر الخميس المجموعة الوطنية الاسبانية للمسرح الكلاسيكي يقدم فيها أربعة فنانين عروضا مسرحية شعرية لكبار كتاب ما يسمى بالقرن الذهبي الاسباني مثل كالديرون دي لاباركا ولوبي دي فيغا وميغيل دي ثيربانتس رفقة الموسيقي خوان كارلوس دي ملدر.

وتزور الفرقة الجزائر كواحدة من أهم المحطات التي ارتبطت بحياة أشهر كاتب اسباني في العالم ميغيل دي ثيربانتس الذي تحتفل اسبانيا هذا العام بالذكرى المئوية الرابعة لوفاته على أرض اسبانيا والجزائر معا.

لكن لماذا تحتفل اسبانيا بكاتبها الفذ في الجزائر تحديدا، وكان يكفيها أن تفعل ذلك على أرضها كما فعلت بريطانيا التي أعلنت هذه السنة أيضا سنة الاحتفال بالمئوية الرابعة لوفاة شكسبير؟

أغرب من دون كيشوت

في أعالي مدينة الجزائر وتحديدا في حي بلكور سيدلك الأهالي على مغارة مخبأة في خضرة هضبة مرتفعة ومتطلعة إلى زرقة البحر أسفلها في منظر كم يليق بخيال الشعراء! هنالك حيث أقام السجين الاسباني ميغيل دي ثيربانتس فترة طويلة ومن هنالك حاول الهرب والعودة إلى بلده، كانت أياما طويلة ومقلقة زودت السجين والكاتب الشاب بما يحتاج من مشاعر وتجارب وصدمة تلهمه أشهر رواية اسبانية في العالم “دون كيشوت”. ومن صدف الأدب أن يرتبط نفس الحي (بلكور) أربعة قرون بعد مولد ثيربانتس ، بالكاتب الفرنسي ألبير كامو صاحب رواية “الغريب” التي يعدها كثيرون أشهر رواية فرنسية في العالم (تدور أحداثها في الجزائر).

يشبه ميغيل دي ثيربانتس بطله دون كيشوت بنفس قدر اختلافهما، فكلاهما كان يبحث عن المجد، وبشكل أدق كان دون كيشوت يدافع عن مجد الفروسية ويريد استردادها بينما كان ثيربانتس يتخذ البطولة طريقا للمجد والمال معا، إذ لا مكان في ذلك القرن القلق الدامي لأية مثالية. وسيعيش ثيربانتس تجربة غريبة قد تكون في أحداثها أغرب من تجربة دون كيشوت نفسه أو تضاهيها بل إنها أولى برواية أخرى، حيث ما زالت تستقطب اهتمام الباحثين وفضول العامة ولولاها ما كان دون كيشوت وما عاش عمرا أطول من عمر صاحبه.

شاعر فاشل

كان ميغيل دي ثيربانتس أكبر الأبناء الثلاثة لطبيب أعشاب بسيط علم أبناءه ان المجد يأتي من ثلاث، التجنيد في البحرية الملكية الاسبانية، التجارة في الهند، أو الانضمام للكنيسة. فاختار ثيربانتس البحرية وتناقل المترجمون لسيرته شجاعته الكبيرة. ومع ذلك وخلال شبابه الغض راودته الكتابة فألف بعض الأشعار التي لم تلفت الانتباه ولم يحظ منها إلا بخيبة الأمل، ولو أن عرافا تنبأ لثيربانتس بمجده المقبل في الكتابة حينها لضحك العارفون بها و لقالوا تهكما “ذلك الشاعر الفاشل يا رجل!”.

كل شيء بدأ في السادس والعشرين من شهر سبتمبر/أيلول 1572 عندما حاصرت ثلاث سفن حربية تابعة للأسطول الجزائري تحت إمرة الرايس مامي، سفينة “إل صُل” (الشمس) التي كان على متنها ثيربانتس وهو في طريقه رفقة شقيقه رودريغو إلى بلاده اسبانيا من إيطاليا. كان ثيربانتس يحمل رسائل من نائب ملك صقلية كارلوس دي اراغون والقس دون خوان النمساوي الوكيل العام للممتلكات العامة الاسبانية في ايطاليا إلى ملك اسبانيا فيليبي الثاني تشيد بشجاعة الشاب وبالخدمات التي قدمها خاصة في الحملة التي سقطت فيها مدينة تونس ويطلبان من الملك أن يوليه قيادة الفرقة العسكرية المتوجهة من اسبانيا إلى ايطاليا.

وكان حينها ثيربانتس المحارب الاسباني يتعافى من إصابات تعرض لها خلال مشاركته في معركة لوبونت الشهيرة ضد الأتراك والتي أدت إلى شل ذراعه اليسرى التي فقد القدرة على استعمالها طوال حياته بعد ذلك.

اعتقد “الرايس” بعد الاطلاع على الرسائل أن صيدا ثميتا سيجني من ورائه مالا كثيرا، فطالب بفدية كبيرة من عائلته البسيطة، لكن الفدية تأخرت فعاش الاسباني الشاب عبدا لخاطفيه خمس سنين بدأها من سجن البايلك على أرض “دزاير” (التسمية المحلية لمدينة الجزائر ويستعملها أهل البلد وبعض المغرب العربي للإشارة إلى البلد أيضا والكلمة ذات أصول أمازيغية حسب بعض المصادر وتعني ضوء القمر).

حب

يتفق مترجمو سيرة ثيربانتس على أنه حاول الهروب من سجنه أربع مرات وفشل ما اضطره إلى الانتظار حتى سنة 1580 عندما دفع وفد اسباني مفاوض لحسن باشا حاكم مدينة الجزائر 500 أوقية لاطلاق سراحه وكان حسن باشا على وشك المغادرة رفقة “عبده” الكاتب لمقابلة الباب العالي.

يترك ثيربانتس الجزائر ومعه ما لم يكن قد جاء للبحث عنه، الكثير من الأشعار والكتابات واكثر من ذلك شحنة ضخمة من التجارب والذكريات والصور سيغرف منها في كتاباته المقبلة. ولذلك تحدث كثير من الباحثين عن شخصيات حقيقية عرفها ثيربانتس خلال سجنه في الجزائر ووظفها في كتاباته إضافة إلى الإشارة إلى الثقافة العربية والدين الاسلامي.

ومن بين تلك الشخصيات الكاتب العربي ابن الجلي الموريسكي و”ثريدا” يقول الكاتب الجزائري جمال غلاب لبي بي سي الذي أصدر مؤلفا اسمه ” ثيربانتس والحامة” (والحامة هو اسم المنطقة وسط مدينة الجزائر التي تضم بلكور). “ثُريدا (بضم الثاء) في رواية دون كيشوت هي في الأصل فتاة جزائرية اسمها “ثريا” احبت ثيربانتس وحاولت مساعدته على الهرب وهي من ألهمته للوصول إلى المغارة.” في الرواية وفي جزء الأسير ستقع “ثريدا” في حب الأسير وستلقي له بالمال من شرفتها المطلة على سقف السجن ستخبره بأنها اعتنقت المسيحية فيدفع بمالها فديته ويشتري قاربا ويحرر رفاقه ويهرب بها معهم إلى اسبانيا ليتزوجها. لكن سيرفانتس لم يتزوج ثريدا وإنما كاتالينا التي لن يتحدث عنها في كتابات سيرته، ربما لأن زواجه كان تعيسا! وهو الذي اول من تحدث عن الطلاق في كتاباته قال، “الاتفاق السيء أفضل دائما من الطلاق الجيد”.

سيعيش ثيربانتس خمس سنوات بعد مغادرة الجزائر دون أن يكتب حرفا، ثم يصدر سنة 1585 “نومانسيا” و”صفقة الجزائر” وعددا من القصص القصيرة والمسرحيات، وسيصبح كاتبا مشهورا له مكانته بين الكتاب لكن تكريسه كأهم وأشهر كاتب في اسبانيا سيتأخر حتى سنة 1605 مع صدور رواية “النبيل البارع دون كيشوت دي لامانشا” وفيها ستظهر أول إشارة صريحة لتجربته الجزائرية.

مؤسس فن الرواية

تكتسي رواية دون كيشوت أهميتها الأدبية من حيث أنها أول عمل يؤسس لنوع أدبي جديد يسمى “الرواية”،” نوع لم يكن موجودا قبل دون كيشوت كما يقول المختصون، ولذلك يدفع بعض الكتاب الجزائريين بأن لدون كيشوت “من مواليد الجزائر” رغبة في الانتساب لهذا المجد الأدبي الكبير. ويعززون دفوعهم بديباجة ثيربانتس نفسه في الجزء الأول من دون كيشوت الذي يقول فيها إن “هذا الكتاب نشأ في السجن حيث المشقة كاملة .

وكذلك نقل الدكتور عباس بحوس أستاذ الأدب الانجليزي عن المؤرخ البريطاني والمختص في الأدب الاسباني دابليو جي انتوسل قوله “إن كتابات ثيربانتس لا تخلو من ذكر مدينة الجزائر والأسر وأبناء منطقة المغرب العربي.”

عودة النور

سيغلب ثيربانتس الحنين إلى تلك الأرض منزل وحيه فيعود إليها لكن من وهران في مهمة ستلهمه كتابة نص مسرحي يتعرض فيه للهجوم على حصون المدينة بطريقة حية لكنه لن يستطيع العودة إلى مدينة الجزائر خوفا من أن يقع رهينة أحدهم مرة أخرى. فهل هي علاقة ارتباط الرهينة بخاطفه؟ أم أنها العلاقة بين نبي ووحيه؟

أجمل ما في قصة ثيربانتس أنها لا تنتهي ما زالت رواية مفتوحة بعد أربعة قرون يمكن لأحدنا أن ينهل أن يفلسفها فيقول هي رواية تنقل تاريخ تلك الفترة، هي رواية اجتماعية تكشف المجتمع الاسباني، هي رواية عن مقاومة شر البشر والانتصار للضعيف، هي رواية عن الصداقة والنجاة التي لا تتحقق في الحياة دون رفيق صادق إذ أن ما حمى الفارس وهو يحارب حتى الطواحين صديقه البسيط العاقل سانشو . وهي في كل الحالات رواية ساخرة جعلت الجنون جميلا.

مات ثيربانتس في أبريل/نيسان سنة 1616 لكنه قتل دون كيشوت قبله، وبينما حصد الأول مجد تجاربه وموهبته كما تمنى، ستزاح غشاوة الأوهام عن عقل الفارس “محارب الطواحين” وسيندم على قراءة كتب الفروسية “المقيتة” ويتمنى لو أن العمر يسعفه ليقرأ من الكتب ما ينير روحه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد