ماسحو الأحذية بالرباط مهنة يكسب ممتهنوها قوت يومهم من نعال غيرهم

لكل ماسح أحذية قصته الخاصة مرتبطة في غالب الأحيان بالظروف الاجتماعية والاقتصادية وأحيانا ظروف أخرى مختلفة تصلح لأن تسرد أحداثها في فيلم سينمائي، فأغلب ماسحي الأحذية بالمغرب لا يدخرون جهدا في قطع مسافات طويلة يوميا دون كلل أو ملل، لعلهم يجدون زبونا يقدم لهم ثمنا بسيطا مقابل تلميع حذائه.

في العاصمة الرباط، وبالضبط في “المدينة القديمة” قربة محطة “الطرامواي”، توجد صناديق خشبية واسعة كل واحد منها يحتوي على كرسي مريح يجلس عليه الزبون بكل أريحية أثناء تلميع حذائه، في هذا المكان يمتهن رجال في مختلف الأعمار إلى جانب امرأة وحيدة مهنة مسح أو تلميع الأحذية، يطأطؤون رؤوسهم نحو أقدام الزبناء مستعملين أدوات بسيطة أهمها الفرشاة ودهن التلميع.

الحاج سعيد الذي تجاوز عمره 80 عاما، الذي يقابل مكانه “سكة الطرامواي” ويجاوره كشك لبيع الجرائد والأقراص المدمجة، يحكي بصوته الخافت عن هذه المهنة الشاقة الذي يكسب منها قوت يومه قائلا:” بدأت أشتغل في هذا المكان منذ خمسينيات القرن الماضي الذي كان معروفا بمحطة وقوف الحافلات في تلك الفترة، كنت أمسح الحذاء الواحد بمبلغ 15 سنتيما”، ويحكي الحاج سعيد الأب لستة أبناء، عن ظروف العمل بالقول: “تزدهر الحركة لدينا في فترة الشتاء، حيث يرتدي الجميع الأحذية بمختلف أشكالها فابتداءا من شهر أكتوبر إلى غاية شهر ماي يكثر الرواج على ماسحي الأحذية لكن على العكس من ذلك في فصل الصيف نعاني كثيرا من قلة الحركة إن لم نقل تنعدم أحيانا نظرا لقلة مرتديي الأحذية، إذ تستبدل بالنعال نظرا لارتفاع درجة الحرارة”.

ورغم كل هذه الصعاب التي ترتبط بهذه المهنة، إلا أن الحاج سعير عبر بارتياح عن رضاه عنها بقوله:” مهنة ماسح الأحذية حرة لا تكون فيها تابعا ولا منتميا لشخص ما أو لجهة معينة”.

 

في الجهة الأخرى وتحديدا قبالة السوق المركزي بالمدينة العتيقة، توجد فاطمة وهي المرأة الوحيدة التي تمتهن مسح الأحذية وسط عدد من الرجال، تحكي بصوت يغلب عليه حزن والمعاناة: ” أتواجد بهذا المكان مدة خمس سنوات بعد وفاة زوجي الذي كان يمتهن هذه المهنة هنا، ظروفي الاجتماعية أجبرتني على الخروج للعمل بدل الجلوس في البيت وحيدة بلا مؤونة”. و بحسرة شديدة تقول فاطمة: ” أعاني بشدة في هذه المهنة وبالضبط من عبارة (حشومة نعطي صباطي تمسحولي امرأة)، أحس باحتقار وإحباط شديدين، فلا حرج إن قمت بمسح حذاء شخص بمقابل بسيط وعندما أفعلها أحس بسعادة كبيرة لأنني حصلت على أجر نظير ما قدمته من خدمة”.

وتلخص فاطمة مجمل هذه المعاناة التي تثقل كاهلها بقولها:” (المواطن هو لي يخلي أخوه المواطن يسعى)، فالمسؤولين وفروا لنا مكانا لنزاول فيه مهنتنا بارتياح لكن الأشخاص بنظرتهم الدونية والاحتقارية هي من تجعلني أذرف الدموع أحيانا لقسوتها، (فالخدمة ماشي عيب أو حشومة العيب هو تمد يدك للناس ولا تسرقهوم)”.

“صعوبات جمة ترتبط بهذه المهنة الشاقة مقابل دراهم معدودة، لكن تبقى أفضل من امتهان التسول أو غيرها من المهن الغير الشريفة”، هكذا أجمع جل ماسحي الأحذية الذين يكسبون قوت يومهم بين نعال غيرهم.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد