لربما النص الغائب في ظل هذا السعار الانتخابي، هو النقاش المختلف والجريء حول “العقل الحزبي”، فلا أحد يريد الاعتراف اليوم بأن السياسة لن تكون ناجحة و فعالة، بل و مقبولة من الأغلبية الصامتة والساخطة، إلا إذا كانت بصيغة أخرى.إن الوضع الملتبس اليوم، مختزل في عقل حزبي معطوب ومشوه وغير قادر على المبادرة والإسهام في النقاش الرصين، مع وجود حكومة يقال أنها متضامنة، وأحزاب تتحدث عن قدرتها على الاستقطاب والتأثير، فيما الشباب مسافر في العوالم الافتراضية يمارس السياسة بفهمه، صحيح أن هناك أحزاب قدمت مجموعة من الشباب الاكفاء، والوجوه الجديدة التي يمكن للناخبين التصويت عليها في اطار استشراف المستقبل، وهو أمر يدعو الى التفاؤل الى حد ما.
الا أنه لا بأس أن نتساءل مع القراء الأوفياء: هل في ظل هذه الأوضاع, يجوز لنا ولو اعتباطا السؤال عن العقل السياسي المؤطر للفعل الحزبي مغربيا؟ ففي ظل انتخابات بلا طعم، تطرح فيها الأحزاب نفس الشعارات أو البرامج, هل ثمة سؤال مشروع حول الاختيارات الإيديولوجية لكل حزب؟ أم أننا أمام “تنشيط” محتمل لبطولة سياسية، تقتسم فيها الأدوار ، ويجري فيها “اللعب” بالمال والنار، في تهديد مباشر “للأمن الديمقراطي” للوطن والمواطنين.
ليس أمام السياسي اليوم، إلا أن يطرح السؤال القوي على نفسه أولا: أليس في هذا الوطن ما يستحق الانتباه وما يوجب العمل الجاد؟ وهل يليق بمغرب التحديات، أن يعيد تدوير المشهد السياسي بحملات انتخابية مسيئة لنا؟ لقد كنا ننتظر ترشيحات الكفاءة والمعرفةوهو الأمر الذي قامت به البعض من الأحزاب فقط بعيدا عن المحسوبية والزبونية، وكنا ننتظر، تنافسا شريفا، وكنا ننتظر نهاية استعمال المال وشراء الأصوات، فإذا بنا نستعيد نفس ممارسات الديمقراطية المعيبة، وهو الامر الذي تم تسجيله بشكل واضح عند البعض من الاحزاب السياسية.
من الضروري أن نجدد التأكيد على أنه، لا يمكن الوصول إلى “الرضا الشعبي”، بتنظيم انتخابات وحسب، ففضلا عن العملية السياسية، هناك الممارسة التي ينبغي أن تتغير، وهناك الخطاب الذي ينبغي أن يتطور، فأحزابنا السياسية مدعوة اليوم، و أكثر من أي وقت مضى، إلى تدشين ثورة غير هادئة ضد أطروحاتها المتخشبة، ضد تصوراتها للمواطن الأعزل، الذي لا يزيد “ثمنه” عن مائة درهم إلى مائتين، لخمس سنوات على الأقل.انتخابات جديدة تعني أخلاقا سياسية جديدة، تقطع من الترحال و شراء الأصوات و ترشيح الفاسدين، انتخابات جديدة تعني نخبا جديدة وثورة حزبية تقطع على إثرها الأحزاب مع أعطابها القديمة، وإلا فإن النتيجة المعول عليها، من وراء هذا الورش التاريخي، لن تكون غير إعادة إنتاج لنفس الوجوه، و “تمكينها” سياسيا و دستوريا من قواعد اللعب، بالشكل الذي يخرجنا إلى حالة من “اللاأمن الديمقراطي”و عليه يمكن القول بوثوق عال، بأنه ما لم تُخضع الأحزاب نفسها لنقد صارم، يفضي إلى ثورة هيكلية، فإن الأمر لن يكون نهاية سوى “سعار أو كرنفال انتخابي” لا طائل منه، فهل تقدر الأحزاب على إنجاز ثورتها الداخلية؟ ليس أمامها إلا أن تفعل حتى لا نفقد الثقة في المستقبل.