وديع الصافي: عملاق الطرب العربي

0

المصدر ميديا : عبد الله المتقي

الراحلون كثر ، لكن المختلفين والمغايرين قليلون ، مثلما النادر والصعب في كل زمان ومكان ، وهذه هي المعادلة التي تجعلك مولعا بتراثهم الساحر ، وتلك هي براعة القلة التي لا ينبغي أن نغمض العين عنها ، بل ينبغي أستحضرها وتكريمها ، لا لشيئ سوى أنها خلفت تراكما إبداعيا وفنيا رائعا وفاتنا يشغل إلى اليوم ومستقبلا كذلك كل مهتم بالجمال الإنساني والعميق .

ووديع الصافي في المشهد الفني يعني عملاق الطرب في لبنان والعالم العربي ، أو عملاق الغناء الجبلي ، المطرب والملحن اللبناني وديع الصافي الذي غيبته الموت عن سن تناهز 92عاما ، إثر وعكة صحية ألمت به في منزل ولده “طوني” على إثرها نقل إلى مستشفى “بيلفيو ” في المنصورية بجبل لبنان حيث فارق الحياة يو م الجمعة بعد صراع طويل مع المرض .

لا يختلف الكثيرون مهما تعددوا وتنوعوا وتباينوا ، على الحضور الفاعل والجوهري للراحل في المشهد الموسيقي العربي غناء وتلحينا ، موهبة ظلت لصيقة به منذ طفولته ، إلى درجة تلقيبه ب ” المدرسة الصافية ” ، والحنجرة الذهبية ، في طفولته وشبابه ، فقد كان يذهل خاله ” نمر العجيل ” بضخامة صوته وصفائه ، خاصة حين يقلد صياح الديك ببراعة ، فيربت الخال على كتفيه قائلا :” مش معقول ولد بها العمر بيملك هالصوت” ، وهي نفس العبارة تقريبا التي رددها الموسيقار محمد عبدا لوهاب حين استمع إليه وهو يقلد أغنيته “ولو” وكان يومها في ريعان الشباب ، قائلا ومذهولا :” من غير المعقول أن يملك أحد هكذا صوت”.

ويمكن القول بلا تردد بأن وديع الصافي صاحب مدرسة في الغناء تخرج منها الكثيرون. . وعم أسلوبها في البلدان العربية مثل سوريا والأردن وتونس والمغرب .

ولد وديع فرنسيس المعروف بوديع الصافي في 1 تشرين الثاني 1921 في قرية ” نيحا الشوف ” وهو الابن الثاني في ترتيب العائلة ، عاش طفولة متواضعة يغلب عليها طابع الفقر الحرمان، في عام 1930، نزحت عائلته إلى بيروت ودخل مدرسة دير المخلص الكاثوليكية، فكان الماروني الوحيد والمنشد الأوّل في جوقتها. لكنها ريثما ، اضطر للتوقّف عن الدراسة، كي يساعد والده من جهة أخرى في إعالة العائلة.

بدأ وديع يدرس علم النغم على يد كبار الأساتذة، وتعلم العزف على آلتي العود والكمان. وإلى جانب حلاوة صوته بدأت تتشكل لديه بذرة التلحين الأولى
كانت انطلاقته الفنية سنة 1938 عندما نزل وهو في سن العشرة من القرية إلى بيروت للمشاركة في اختيار أصوات في إذاعة لبنان راديو الشرق سابقا ، ليفوز بالمرتبة الأولى لحنا وغناء وعزفا من بين أربعين متباريا بأغنية “يا مرسل النغم الحنون” للشاعر الأب نعمة الله حبيقة. واتفقت لجنة التحكيم في حينه على اختيار اسم “وديع الصافي” كاسم فني له نظرا لصفاء صوته. وكانت اللجنة مؤلفة من ألبير أديب مدير الإذاعة والموسيقيين محي الدين سلام والد المطربة نجاح سلام وميشال خياط وسليم الحلو، بالإضافة إلى الشاعر غنطوس الرامي. وفاز وديع بالمرتبة الأولى ولقبته اللجنة بـ “الصافي” .

وفى عام 1944 سافر وديع إلى القاهرة ، وبدافع التطلع إلى الشهرة وخاصة بعد نجاح زميلته الفنانة نور الهدى في أفلامها السينمائية . ليسافر بصحبتها و ليقف أمامها بطلا فى فيلم مع الفنان الكبير يوسف وهبي. لكن هذه التجربة لم يكتب لها النجاح نتيجة خلاف بين نور الهدى ويوسف وهبي . فعاد إلى بيروت وشرع يغني في كازينو “نجيب عطية ” بمكافأة زهيدة .

وفى الخمسينيات التقى وديع على المطربة نجاح سلام وفتن بصوتها الذي وجد فيه المنطقة الصوتية التي تلتقي مع صوته فسجل معها مجموعة من الأغاني الحوارية من أشهرها: “طل القمر ورفيقتي طلت معه ” و” يا حبيب الروح يا أحلى حبيب “.

في أواخر الخمسينات انخرط في شراكة مع العديد من أقطاب الموسيقى اللبنانيين امن أجل النهوض بالأغنية اللبنانية ورسم هويتها الخالصة ، انطلاقا من وجذورها الفولكلورية الأصيلة من خلال مهرجانات بعلبك التي جمعت وديع الصافي بمجموعة من رموز اللحن والطرب من قبيل ّفيلمون وهبي والأخوين رحباني وزكي ناصيف وعفيف رضوان وغيرهم .

مع بداية الحرب اللبنانية، غادر وديع لبنان إلى مصر ، ثمّ إلى بريطانيا، ليستقرّ في باريس. وكان سفره احتجاجا على الحرب الدائرة في لبنان،. إذ جدّد لقاءه بالمغتربين من خلال صوته الصافي وأغانيه الحاملة لهموم وطنه لبنان ..

ويعد وديع الصافي أفضل من نطق العربية الفصحى من المطربين العرب. فمخارج الحروف لديه جذلة وصحيحة ، غنى وديع قصائد بارزة في الشعر العربي الفصيح ك “الليل يا ليلى يعاتبني” ، و”لو يدري الهوى لو يدري” و “هل تذكرين ضيعتىي”.

كما غنى ولحن قصيدة للمتنبي مطلعها:
ما لنا كلنا جوىً يا رسول
أنا أهوى وقلبك المتبول
كذلك لحن وغنى قصيدة أبي العلاء المعري الشهيرة:
ألا فى سبيل المجد ما أنا فاعل
عفاف وأقدام وحزم ونائل
وغنى أيضا للبهاء زهير وإيليا أبو ماضي وسعيد عقل.

كما أن “الصافي” لم ينس أصوله الجبلية وقد ظل يتباهى بأنه ريفي ولم تستطع العاصمة بيروت أن تسرق منه هذا العشق للجبل /فغنى الكثير من الأغاني الشعبية التي تنهل من الغناء الشعبي المعروف في لبنان من ميجانا وعتابا وأبو الزلف والمعنى والقرادى والشروقى ، الذي اطلع عليه واستطاع أن يضخ فيه دماء جديدة بفضل قدراته الخلاقة وإحساسه المرهف، بل ويخترع أدواته بعيدا عن النقل والتقليد ، والتي أنتجت تراثا فولكلوريا اسمه الشخصية اللبنانية أو اللون الغنائي اللبناني ، ومن أشهر هذا اللون أغنية :”الله يرضيك عليك ياابني “.

جملة القول : إن وديع الصافي أثرى المكتبة الموسيقية بالكثير من الأعمال التي خلفت بصمات لا تمحي ، ولن تمحي من ذاكرة الفن الموسيقى، فنان عملاق و مدرسة في الغناء والتلحين، ليس في لبنان فقط، بل في العالم العربي أيضًا. وكما قترن اسمه بلبنان، وبجباله التي لم يتماهى مع أنفتها سوى صوته الشامخ .

حمل الراحل أكثر من وسام استحقاق، وكرمته أكثر من مؤسسة وغنى لبنان وأطفال الحجارة والحب والجمال والسلام، وفي كلمة واحدة لم يكن الراحل مطربا عملاقا وسفيرا للوطن العربي ولوطنه وحسب ، بل انه أحد أهم محركات النهضة الموسيقية اللبنانية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد