عبد الحميد شوقي: رواية “سدوم” لم تنل فرصتها كاملة ومجتمعنا لا يستمر في تراكمه المعرفي الثقافي طويلا

0

هو مثقف مبدع، رأى النور بمدينة تيفلت وتولع بحب الشعر والرواية، مجاز في الفلسفة في كلية الآداب بالرباط، وأستاذ المادة نفسها في مسقط رأسه تيفلت، تنوعت الأعمال الأدبية التي أصدرها بين الشعرية والروائية كديوان “كنت أهيئ صمت الانتظار”، وديوان “متاهات برائحة الفجر”، ورواية “سدوم”، التي أثارت العديد من الطابوهات في المجتمع المغربي، وغيرها من الإصدارات التي تحمل بين سطورها لمسة إبداع المثقف الغيور، إنه الشاعر والروائي عبد الحميد شوقي الذي قد تكون لغته فيضا يغرق المشهد الثقافي بقصائد تعيد للعالم توازنه.

“المصدر ميديا”، التقت الشاعر والروائي عبد الحميد شوقي وأجرت معه الحوار التالي:

-كيف ترصد الوضع الثقافي بالمغرب؟ وهل عمقت تداعيات الجائحة الوضع أكثر؟

أعتقد أن الوضع الثقافي بالمغرب لم يعد بذلك الزخم الذي كان عليه قبل الألفية الثالثة، عندمت كنا ننتظر إصدار ديوان شعري أو رواية أو كتاب نقدي أو فكري بكل شغف “محبي الحكمة”. هل الأمر يعود إلى الانفجار الذي وصل حد التخمة، والذي تم بفعل ما وفرته الوسائل التكنولوجية والرقمية الراهنة…؟ ربما، ولكن هذه الوسائل الجديدة لم تؤثر في المجتمعات العريقة في الفكر والإبداع مثل أوروبا الغربية وشرق آسيا وأمريكا اللاتينية. وجائحة كورونا ليست هي السبب المسؤول عن تعميق هذه المسألة، بل هي أتاحت لنا، من خلال فرصة الحجر، أن ننعزل قليلا وأن نخلو إلى ذواتنا وأسئلتنا وهمومنا. الأمر إذن يتعلق بحالة بنيوية لمجتمعنا الذي، خلافا للمشرق، لا يستمر في تراكمه المعرفي الثقافي طويلا، لكي يتحول إلى نوع جديد، وكأننا نشبه ما يعرفه مناخنا من تراوح بين الجفاف والخصوبة.

-قدمت مجموعة من الإصدارات الشعرية التي تركت صدى طيبا لدى المتلقي، ككنت أهيئ صمت الانتظار، ومتاهات برائحة الفجر، وغيرها من الإصدارات الأخرى، لكنك حولت البوصلة نحو الرواية، لماذا سلكت هذا الطريق؟ وما سبب ذلك؟

نعم أصدرت مجموعتين شعريتين، وعلى العكس مما قلت، لم أحس أنها تركت صدى ما لدى المتلقي، خصوصا المتلقي الأكاديمي، وأرى نفسي كأنني أمر عابرا فقط بالمشهد الشعري بالمغرب. أما أنني حولت البوصلة نحو الرواية، فالأمر لم يكن كذلك، لأنني امتهنت كتابة الرواية بشكل متساوق مع كتابة الشعر، وفقط لأن الأمسيات أتاحت للبعض أن يتعرف علي كشاعر، وهو ما لا تحققه الأمسيات السردية التي نادرا ما تقام لأن الإيقاع الروائي لا يسمح بالإلقاء مثل الشعر. ويمكنني أن أصارحك بأننا الآن نعيش زمن الرواية الذي يختلف عن زمن الشعر. زمن الشعر هو زمن منغلق في سياق لغوي وذوقي وتراثي معين، هو السياق العربي، منذ فترة ما قبل الإسلام إلى الآن، حيث ترسخ لدى المتلقي، عبر التاريخ، نموذج “خالد” فوق التاريخ، هو نموذج طبقات الكبار الذين لا يمكن لمن سيأتي بعدهم إلا أن يكون مجرد “نسخة” باهتة من “أصل” ذهبي. أما زمن الرواية فهو زمن كوني، أو إن شئت، هو زمن لم يبدأ إلا مع الأزمنة الحديثة، خصوصا في أوروبا، لكنه زمن ما انفك ينفتح على كل التجارب الإنسانية منذ أربعة قرون، ولم يعد الروائي مضغوطا أمام نموذج جاهز و”ممأسس”، ومتغلغل في أعماق اللاشعور الشعري العربي، بلغته الوحيدة، وهي اللغة العربية، في حين أن الرواية تفتح أمامك إمكانات هائلة بلغات عديدة وتجارب متنوعة تنسف فكرة “النموذج المتسلط” تماما.

-هل يحس عبد الحميد شوقي المثقف بصراع داخلي بين الشاعر والروائي؟

أبدا، أنا أزعم أنني أكتب الرواية بحس شاعري يرفع اللغة إلى مستوى فوق الابتذال، كما تتيح اللغة الشاعرية إمكانية البوح لشخوص مسكونة بحرائق الذاكرة، ولا يمكن لاعترافتها أن تتم بلغة بسيطة وواقعية، كما أنني أكتب الشعر بحس سردي، يقوم على فكرة “البناء”. بمعنى أن النص الشعري ليس مجرد انفلات شعوري تكون فيه اللغة والصور مجرد شظايا لذات مأزومة، بل النص هو أولا وقبل كل شيء نسق منظم وبنية عضوية يحكمها بناء ومنطق داخلي، كما لو كنا أم بناء سردي في رواية.

-رواية “سدوم” ذاع صيتها بشكل كبير في الأوساط المغربية والعربية بسبب تفاعلها مع سياق سياسي دينامي كان في مرحلة خاصة، كيف ترى هذا التفاعل مع إصدارك، وهل تحقق ما كنت تصبو إليه منها؟

أعتقد أن “سدوم”، رغم أنها تندرج ضمن سياق ما عرف بالربيع العربي، إلا أن هذا المعطى ليس إلا جزءا مرتبطا بشخصية كمال، المناضل الحقوقي الذي عاد من فرنسا برؤية نضالية لا علاقة لها بأشكال النضال كما تمت في الماضي. فالرواية طرحت نفسها من خلال فكرة صادمة بالنسبة للكاتب وللمتلقي معا، وهي: إلى أي حد يمكن أن نكتب وأن نتلقى بكامل ما يقتضيه ذلك من تحرر في القول المنتَج والأثر الذي يتركه ذلك على المتلقي. ولذلك لم يكن لدي سوى وسيلة واحدة لتحقيق ذلك، وهي الاقتراب من “الجسد” في كل شيطانيته وأسراره وخفاياه اللاأخلاقية ونوازع الشر التي تسكنه. فإما أن أكتب بهذا الشكل، ويتقبلني المتلقي من دون مسبقات أخلاقية، وإما أن نستمر في نصب مشانقنا لصلب أي “تغلغل في ظلامنا”. أما هل حققت الرواية ما تصبو إليه، فالأمر متروك للنقد، وإن كنت أرى أن الرواية ظلت، رغم كل ما قيل محصورة في نطاق ضيق من القراءة والنقد، ولم تنل فرصتها كاملة.

– قلت في أحد تصريحاتك أن ما تقدمه جائزة المغرب للكتاب هو إهانة للمثقف المغربي أمام ما يكسبه بعض المغنيين من جوائز مالية مرتفعة جدا، هل ترى أنه قد حان الوقت الآن لإعادة النظر في القيمة المادية لهذه الجائزة؟

نعم، إما أن تكون قيمة الجائزة التي تقدمها الدولة كبيرة تليق أولا بحجم البلد الذي ننتمي إليه، وإما، في حالة عدم وجود ذلك، أن تعمل الدولة على فتح المجال أمام انتشار الأعمال الفائزة بشكل كبيرة. جائزة الغونكور الفرنسية لا تتجاوزر قيمتها المالية الرمزية عشرة أورو، لكن الدعاية للعمل الفائز وفتح باب الترجمات العالمية وتحقيق مبيعات كبيرة، كل ذلك يؤسس لمكانة رفيعة لهذه الجائزة.

-حدثنا عن مشاريعك الثقافية المستقبلية

لدي عمل روائي قيد النشر بعنوان “رسائل المتحول”، ما زال ينتظر فرصته منذ 2019، بالإضافة إلى مجموعة شعرية بعنوان “على مرمى شهوة من التراجيديا”، هي كذلك جاهزة وقيد الطبع. وحاليا أنا منكب على إعادة كتابة وتصحيح عمل روائي كنت قد بدأت كتابته منذ أكثر من أربع سنوات.

-رسالة أخيرة إلى وزير الثقافة الجديد مهدي بنسعيد

أقول له فقط: أنت شاب وقادم من وسط ثقافي يساري تنويري، وتعرف قيمة الفعل الثقافي بالنسبة لأي بلد، آمل أن يكون فعلك جديرا بانتظاراتنا، رغم كل ما نعرفه عن ضعف الميزانية المخصصة لوزارة الثقافة، ورغم النظرة الاحتقارية للفعل الثقافي كفعل “غير منتج” بالنسبة للكثيرين ممن يسهرون على تسيير الشأن العام.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد