العريس …

حديث الأحد

استقل “عمر” سيارته في الصباح، صباح يوم الأحد منذ أسبوعين، وانطلق من منزله بصحبة والدته وخاله، منزله الذي يوجد ضواحي العاصمة الألمانية برلين، في رحلة طويلة متوجها صوب المغرب، ليعقد قرانه على خطيبته ومحبوبته “فاطنة” …

“عمر” شاب يبلغ من العمر 29 سنة، وهو وحيد أسرة مهاجرة بالديار الألمانية، والده متوفي منذ سنين ويعيش مع والدته “زينب” وخاله “علي” الذي هاجر حديثا لألمانيا بمساعدة “عمر”، الذي أتم دراسته الثانوية بإحدى المدارس الألمانية العمومية، وبعدها توجه للتكوين المهني وحاليا يشتغل تقني كهربائي بإحدى الشركات ضواحي العاصمة برلين …

وما إن تحصل على وظيفة وأصبح وضعه المادي بوضع جيد، حتى بدأت والدته السيدة “زينب” تحثه بل وأحيانا حتى تضغط عليه ليتزوج، وكانت تشجعه على اختيار “بنت البلاد” أي فتاة من المنطقة التي ينتموا لها بالمغرب، لأنها كانت تخاف أن يميل قلب ولدها نحو إحدى الألمانيات، ويقترن بها وتتعقد علاقتها بولدها الوحيد نتيجة للاختلاف الجذري في الثقافات …

ستعبر سيارة “عمر” في طريقها نحو المغرب عبر ثلاثة بلدان، بلجيكا، فرنسا واسبانيا وما يقرب من 4000 ألف كلم للوصول لمنزل خطيبته “فاطنة” التي تسكن وسط البلاد ..

تعرف “عمر” على زوجته المستقبلية “فاطنة” عن طريق خالته التي تسكن بالمغرب، بعدما طلبت منها السيدة “زينب” مساعدتها في البحث عن زوجة مناسبة لإبنها “عمر” ..

تمت الخطبة عن بعد، وكما هو حال الكثيرين في هذا العصر، كل شيء تم عن بعد وعن طريق التكنولوجيا، بحيث كان يتواصل “عمر” مع “فاطنة” عن طريق الواتساب والمسنجر لمدة أشهر قبل أن يقتنع الاثنان أنهما قد خلقا لبعضهما البعض، فقررا الزواج فور رجوع “عمر” لقضاء عطلته السنوية بالمغرب، وعمر يفضل شهر سبتمبر للراحة، فهو يقول أن الصيف يعرف ازدحاما كبيرا في الطرقات والمرافق السياحية ويفضل تجنب تلك الفترة …

أثناء الرحلة الطويلة كان “عمر” يُشْغِلُ نفسه بالتفكير في حياته المستقبلية مع “فاطنة”، كيف سَيُعِدُّ لها الوثائق الضرورية للرجوع معه لألمانيا، وعش الزوجية الذي سيجمعهم، وكم من الأولاد والبنات الذي يتمنيان أن يرزقا به، وكان يستغل كل محطة استراحة في الطريق لكي يلقي نظرة على الرسائل التي تصله عبر الواتساب من حبيبته “فاطنة” تتمنى له فيها طريق السلامة، وتبعث له من حين لآخر شحنة عاطفية تخفف عنه بها أعباء السفر، وهو بالمقابل يبوح لها بأشواقه، ويبعث لها صور الهدايا التي كان قد اشترى لها ومنها هاتف محمول آخر موديل، فهي تعشق التصوير وهذا الهاتف الذي اختار لها يصور بشكل جميل واحترافي…

استغرقت الرحلة خمسة أيام بلياليها ..

وصل “عمر” إلى مدينة مراكش حيث سيبيتون الليلة في فندق، على أساس استكمال الطريق نحو الدوار الذي تقطن فيه عائلته وأسرة “فاطنة”، دوار “أيغيل” والليلة كانت ليلة الجمعة 9 سبتمبر، والدوار كان مركز الزلزال الذي ضرب تلك الليلة قلب المغرب …

بعد يومين، سيتمكن “عمر” من الوصول لمشارف “الدوار” …
لم يجد عروسه “فاطنة” ولم يجد “الدوار” برمته .. !

انخرط الشاب المكلوم فورا في عملية مساعدة من تبقى من ضحايا الزلزال عسى أن يخفف ذلك من ألمه، وآلامهم ..

“عمر” يفكر ويقول أنه وبعد يتم أن الانتهاء من كل عمليات الانقاذ وكل العمليات الأولية الضرورية، وعندما تصل مرحلة اعادة اعمار المناطق المدمرة، سيقوم ببناء مدرسة في الدوار لتعليم الأطفال الصغار لأنهم يجسدون الأمل في مستقبل أفضل لمن تبقى من ساكنة هذا الدوار، وسيعطي للمدرسة اسم “فاطنة” تكريما لروح خطيبته ووفاءا لأرواح من قضوا في الزلزال تلك الليلة ..

رحم الله “فاطنة” وكل النساء والرجال والاطفال الذين ذهبوا للقاء ربهم تلك الليلة.

وإلى الاسبوع المقبل.

إن أعجبك شاركه

كتب : الدكتور سعد ماء العينين

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد