أمين السعيد يعلّق على قرار إلغاء انتخاب أربعة برلمانيين بدائرة الحسيمة

0

علّق الأستاذ أمين السعيد، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، على قرار المحكمة الدستورية القاضي بإلغاء انتخاب أربعة برلمانيين بالدائرة الانتخابية الحسيمة دفعة واحدة في انتخابات 8 شتنبر 2021، بسبب عدم احترام حالة الطوارئ الصحية خلال التجمعات الانتخابية واعتماد صور منفردة في الملصقات.

والبرلمانيون الأربعة المعنيون بقرار المحكمة الدستورية هم نور الدين مضيان، رئيس الفريق الاستقلالي بمجلس النواب، ومحمد الأعرج، الوزير السابق عضو المكتب السياسي لحزب الحركة الشعبية، ومحمد حموتي، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، وبوطاهر البوطاهري، النائب البرلماني عن حزب التجمع الوطني للأحرار.

وجاء قرار المحكمة الدستورية بناءا على طعن قدمه عبد الحق أمغار، الذي ترشح في الدائرة نفسها باسم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

وجاء تعليق أمين السعيد على قرار المحكمة الدستورية كالآتي:

الملاحظة الأولى

تتعلق هذه الملاحظة العامة بالنقاش الذي أثير قبل صدور قرار المحكمة الدستورية رقم 22/179، وذلك من خلال تسريب المعطيات المتعلقة بالإلغاء، وهنا يطرح سؤال عريض، هل المعلومات انتشرت بعد توقيع الأعضاء على القرار وخروجه من الأمانة العامة للمحكمة الدستورية، وهو ما يعني أن المحكمة تشتغل وفقا للقانون، أم أن المعطيات أفشيت للصحافة قبل التوقيع على القرار واقراراه بصفة رسمية من الأمانة العامة للمحكمة الدستورية.

وبالعودة إلى مقتضيات المادة الرابعة من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية نجدها تنص على ما يلي: ” يؤدي رئيس المحكمة الدستورية وأعضاؤها، قبل مباشرة مهامهم، القسم بين يدي الملك على أن يقوموا بالمهام المسندة إليهم بإخلاص وأمانة ويمارسونها بكامل النزاهة في ظل احترام الدستور، وأن يكتموا سر المداولات والتصويت، وألا يتخذوا أي موقف علني أو يفتوا في أي مسألة من المسائل التي تدخل في نطاق اختصاصات المحكمة الدستورية”.

ومن هذا المنطلق، يركز المشرع على كتمان سر المداولات والتصويت، تجنبا لانتهاك مبدأ استقلالية القضاء الدستوري، خاصة وأن المحكمة الدستورية ما زلت رهينة التجاذبات السياسية التي قد تعرضها لبعض الانزلاقات المتعلقة بالتأثيرات الحزبية.

وفي ذات المنحى، أكدت الفقرة الأولى من المادة الثامنة من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية على أنه يلتزم أعضاء المحكمة الدستورية بواجب التحفظ، وعموما بالامتناع عن كل ما من شأنه أن يمس باستقلالهم ومن كرامة المنصب الذي يتقلدونه.

كل هذه المقتضيات القانونية التي وردت في قانون تنظيمي يشكل امتدادا للوثيقة الدستورية، ينبغي أن تحد من هذه الممارسات إن تبتث بسوء نية، كما ينبغي في هذا السياق أن تقوم الجهات المعنية بصياغة بلاغ توضح فيه سياق وظروف تسرب وإفشاء مشروع القرار أو تنفي ذلك، بحجة أن القرار انتشر بعد خروجه من الأمانة العامة للمحكمة الدستورية في ظل احترام للدستور والقانون التنظيمي للمحكمة الدستورية.

الملاحظة الثانية

ترتبط بعريضة الطعن التي تقدم بها عبد الحق امغار بصفته مترشحا عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بحصوله على 13702 صوتا، طالبا فيها إلغاء  نور الدين مضيان عن حزب الاستقلال حاصل على 22902 صوتا، وبوطاهر بوطاهري عن حزب التجمع الوطني للأحرار حاصل على 19346 صوتا، ومحمد الحموتي عن حزب الأصالة والمعاصرة بحصوله على 14635 صوتا، ومحمد الأعرج عن حزب الحركة الشعبية بحصوله على 14190 صوتا، أعضاء بمجلس النواب، إثر الاقتراع الذي أجري في 8 شتنبر 2021 بالدائرة الانتخابية المحلية “الحسيمة” إقليم الحسيمة وأعلن على إثره انتخابهم أعضاء بمجلس النواب.

وفيما يخص المأخذ المتعلق بخرق حالة الطوارئ الصحية، حيث تتلخص في كون المطعون في انتخابهما، لم يتقيدا بضوابط الحملة الانتخابية التي تم سنها من قبل السلطات العمومية، في إطار إنفاذ المرسوم بقانون المتعلق بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، إذ أقاما تجمعات انتخابية دون ترخيص ودون احترام لمتطلبات التباعد الاجتماعي والوقاية المتخذة في إطار محاربة وباء كورونا كوفيد 19، مما أخل بمبدأ تكافؤ الفرص بين المترشحين.

وورد في حيثيات القرار موضوع التحليل، أنه يعود للمحكمة الدستورية، في نازلة الحال، أن ترتب جزاء انتخابيا خاصة على مخالفة الاحكام المتعلقة بحالة الطوارئ الصحية بمناسبة الاجتماعات العمومية المنظمة خلال الحملة الانتخابية، دون الاخلال بما نصت عليه مقتضيات المادتين الرابعة والرابعة مكررة من المرسوم بقانون المشار إليه من جزاءات أخرى، متى ترتب عن ارتكاب المخالفة مساس بالمساواة وتكافؤ الفرص بين المترشحين، وأضافت المحكمة الدستورية، إن هذه المخالفة الثابتة، تشكل إخلالا بينا بمبدأي المساواة وتكافؤ الفرص بين المترشحين، مما يتعين معه التصريح بإلغاء انتخاب السيدين نور الدين مضيان ومحمد الأعرج عضوين بمجلس النواب.

السؤال المطروح في هذه الحالة، يتجلى في انتفاء انتهاك المترشحين لمبدأي المساواة وتكافؤ الفرص، لعدة اعتبارات؛ لعل أولها أن الطاعن السيد عبد الحق امغار بصفته مترشحا عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تنازل بمحض إرادته عن تنظيم الحملة الانتخابية في إطار تجمع انتخابي، حيث أكد على ذلك من خلال نص عريضة الطعن، التي ورد فيها بأن عبد الحق أمغار نشر إعلانا بصفتحه على أحد مواقع التواصل الاجتماعي يدعو فيه أعضاء الحزب الذي ترشح باسمه إلى تعليق كافة الأنشطة الدعائية العمومية تجنبا لتفشي وباء كوفيد 19.

لذلك، يتضح أن عبد الحق امغار، تنازل بشكل طوعي عن تنظيم الأنشطة الدعائية، وأنه لا يوجد ما يمنعه من ذلك، وأن السلطات العمومية تعاملت مع كافة المترشحين على قدم المساواة فيما يتعلق بتنظيم الحملة الانتخابية بدائرة الحسيمة، مما يفيد حضور مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص في ظل غياب تدخل السلطات العمومية في منع أحد المترشحين.

وفي هذا الإطار، حرص الولاة والعمال على تكييف توجهات وزارة الداخلية من خلال الدوريتين الصادرتين في 23 و24 غشت 2021، على حسب كل دارة انتخابية، وأن الحفاظ على الصحة والسلامة متروك للسلطة التقديرية للسلطات العمومية عبر الاشراف المباشر للسادة الولاة والعمال، كما أنه لا يوجد في نص القرار، تعقيب عامل الإقليم، ما يفيد بشكل رسمي بأن أحد المترشحين عمد إلى خرق حالة الطوارئ الصحية.

الملاحظة الثالثة

تتعلق بالسلطة التقديرية للمحكمة الدستورية بخصوص خرق حالة الطوارئ الصحية، حيث بالعودة إلى قرار سابق للمحكمة الدستورية صدر في 12 أبريل 2022، يتضح أنها تجنبت التجاوب مع الطعن المتعلق بخرق حالة الطوارئ الصحية، ويظهر ذلك، من خلال:

القرار 22/170، حيث تقدم محمد بنصاط بصفته مترشحا عن حزب التقدم والاشتراكية، الحاصل على 9922 صوتا، بطعن يطالب فيه بإلغاء انتخاب  وحيد حكيم عن حزب التجمع الوطني للأحرار، حاصل على 21115 صوتا، عضوا بمجلس النواب، على إثر الاقتراع الذي أجري في 8 سبتمبر 2021 بالدائرة الانتخابية المحلية “الحاجب” (إقليم الحاجب)، والذي أعلن على إثره انتخاب السيدين لحسن العمود ووحيد حكيم، عضوين بمجلس النواب.

وفي هذا المنحى، أجابت المحكمة الدستورية على المأخذ المتعلق بخرق حالة الطوارئ الصحية، بما يلي: “لئن رتبت مقتضيات المرسوم بقانون، لاسيما المادتان الرابعة والرابعة المكررة منه، جزاءات على مخالفة الأحكام الخاصة بحالة الطوارئ الصحية، فليس للمحكمة الدستورية أن ترتب جزاء انتخابيا خاصا على مخالفة تلك الأحكام بمناسبة الاجتماعات العمومية المنظمة خلال الحملة الانتخابية، ما لم يقترن ذلك بمناورة تدليسية، أو ترتب عن ارتكاب المخالفة إخلال بالمساواة وتكافؤ الفرص بين المترشحين، وهو أمر تستقل المحكمة بتقديره، وهو ما لم يثبته الطاعن، الذي جاء ادعاؤه عاما مما يكون معه غير جدير بالاعتبار”.

وهكذا، يلاحظ أن قرار المحكمة الدستورية، يربط مخالفة الأحكام الخاصة بحالة الطوارئ الصحية بوجود مناورات تدليسية، أو انتهاك لمبدأي المساواة وتكافؤ الفرص، الأمر الذي يغيب بشكل ملموس في واقعة الدائرة الانتخابية المحلية الحسيمة، ويظهر ذلك من خلال التعليل الباهت الذي ورد في حيثيات قرار المحكمة الدستورية.

الملاحظة الرابعة

تتعلق بالتسليم افتراضا بوجود مخالف حالة الطوارئ الصحية وعلاقته بترتيب الجزاء الانتخابي، حيث يطرح التساؤل بخصوص تأثير ذلك على نتائج الاقتراع، خاصة وأن الفارق بين الطاعن عبد الحق امغار بصفته مترشحا عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الحاصل على 13702 صوتا، وأحد المطعون فيهم؛ نور الدين مضيان عن حزب الاستقلال حاصل على 22902 صوتا، حيث في هذه الحالة، أن هامش الفارق واسع وكبير، إذ يصل إلى 9200 صوتا، قياسا مع حجم المخالفة إذا سلمنا بوجودها.

وفي المقابل من ذلك، يظل الفارق بسيط بين الطاعن عبد الحق امغار بصفته مترشحا عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الحاصل على 13702 صوتا، وأحد المطعون فيهم؛ محمد الأعرج عن حزب الحركة الشعبية بحصوله على 14190 صوتا، حيث يصل الفارق إلى 488 صوتا، وهو فارق يمكن مؤثر وقد يتأثر بالمخالفة المتعلقة بالتجمعات الانتخابية ومدى انضباطها لحالة الطوارئ الصحية.

الملاحظة الخامسة

فيما يتعلق المآخذ المتعلق بالحملة الانتخابية، حيث إن هذا المأخذ يتلخص في دعوى أن المطعون في انتخابهما اعتمدا في حملتهما الانتخابية صورهما المنفردة دون باقي المترشحين في لوائحهما الانتخابية، الأمر الذي ينطوي على غش وتحايل على الناخبين وعدم تمكينهم من معرفة ترتيب المترشحين في كل لائحة.

ينبغي في هذا السياق، التمييز بين ثلاث حالات قد تترابط وتتداخل في بعض الدوائر الانتخابية؛ الحالة الأولى توزيع مناشير انتخابية أحدهم يتضمن اللائحة كاملة وبعضها يتضمن صورة وكيل اللائحة وهي حالة عادية وقد توجد في الكثير من الدوائر الانتخابية؛ الحالة الثانية وهي توزيع المنشور الانتخابي يتضمن صورة وكيل اللائحة ويخفي باقي المترشحين، وهي حالة مقرونة بمناورات تدليسية تخفي أحد المتشرحين لسبب من الأسباب؛ ثم الحالة الثالثة وخلالها توزع مناشير انتخابية تتضمن أن أحد المترشحين بكونه وكيلا للائحة والحال أنه ليس ذلك وهي أيضا حالة مقرونة بمناورات تدليسية.

الأصل العام، هو أن المناشر الانتخابية، لا ينبغي أن تخفي أحد المترشحين، أو تقدم معلومات غير صحيحة بخصوص ترتيب لائحة الترشيح، مما لا يسمح للناخبين بالتعرف على الوضع القانوني للائحة الترشيح.

وفي هذا السياق، يتعذر معرفة التوصيف الدقيق في دائرة الحسيمة، مادام أن المطعون في انتخابه بوطاهر البوطاهري توصل بعريضة الطعن بتاريخ 29 أكتوبر 2021، ولم يدل بأي مذكرة جوابية، الأمر الذي تعتبره المحكمة الدستورية إقرارا ضمنيا من طرفه بما تضمنته العريضة المذكورة من مأخذ، كما أن المطعون في انتخابه محمد الحموتي أدلى بمذكرة جوابية خارج الأجل القانوني استبعدتها هذه المحكمة لهذا السبب.

الملاحظة السادسة

تتعلق بغموض مفهوم الانتخابات الجديدة، حيث ورد قرار المحكمة الدستورية بكونها تأمر بتنظيم انتخابات جديدة بالدائرة المذكورة عملا بأحكام المادة 91 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، غير أن السؤال المطروح في هذا القرار يتجلى في عبارة ما المقصود بالانتخابات الجديدة؟، علما بأن المشرع يميز بين حالتين مختلفتين: الانتخابات العامة والانتخابات الجزئية.

لذلك، بالاستناد على مقتضيات المادة 91 من القانون التنظيمي لمجلس النواب، نجد أن المشرع يحيل إلى مفهوم الانتخابية الجزئية، حتى في سياق إعادة الدائرة الانتخابية المحلية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد